يفتح مرور عام على التطبيق الكامل لقانون التنفيذ الباب أمام مراجعة أدوات تحصيل الحقوق والضمانات الائتمانية، في ظل تأكيد خبراء وممثلين عن القطاعات الاقتصادية والقانونية أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال البدائل العملية التي تضمن سرعة التنفيذ وتحافظ على حقوق الدائنين، دون أن تدفع المنشآت والأفراد المتعثرين فعليًا إلى الخروج من النشاط الاقتصادي.
وأكد المشاركون، خلال جلسة حوارية نظمتها جمعية رجال الأعمال الأردنيين بعنوان “قانون التنفيذ.. عام من التطبيق والأثر الاقتصادي”، أن معالجة آثار القانون لا ينبغي أن تقتصر على مسألة حبس المدين أو رفع الحماية الجزائية عن الشيكات، وإنما تتطلب تطوير منظومة متكاملة للتحصيل والتنفيذ، تبدأ بالتمييز بين المدين غير القادر على السداد والمدين المماطل، وتنتهي بإجراءات أكثر سرعة وفاعلية في الوصول إلى أموال المدين واستيفاء الحقوق.
وطرح المشاركون جملة من الأدوات المقترحة، من بينها الربط الإلكتروني بين دوائر التنفيذ والجهات الحكومية ذات العلاقة، وتعزيز الإفصاح المالي، وتفعيل الضمانات على الأموال المنقولة، إلى جانب توفير مسارات لإعادة هيكلة أوضاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وآليات سريعة ومنخفضة الكلفة للمطالبات الصغيرة، بما يسهم في تخفيض مخاطر الائتمان ويحد من انتقال التعثر من منشأة إلى أخرى عبر سلسلة العلاقات التجارية.
وجاءت الفعالية، التي عقدتها جمعية رجال الأعمال الأردنيين، في إطار مرور عام على التطبيق الكامل لقانون التنفيذ، وخصصت لمناقشة الآثار الاقتصادية والقانونية والاجتماعية المترتبة على تطبيقه، وانعكاساته على بيئة الأعمال والائتمان واستمرارية المنشآت وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وقال رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، إن مرور عام على التطبيق الكامل لقانون التنفيذ يشكل فرصة لتقييم أثره على بيئة الأعمال واستقرار المعاملات التجارية، خصوصًا في ظل التحديات المرتبطة باستيفاء الحقوق المالية.
وأكد العلاونة أهمية تحقيق التوازن بين حقوق الدائنين وضمانات المدينين، وتطوير بدائل فاعلة لعدم حبس المدين، تشمل رفع كفاءة إجراءات التنفيذ، والإفصاح عن الأموال والأصول، وتنظيم خطط السداد، بما يضمن استيفاء الحقوق ويحافظ على استمرارية المنشآت القابلة للاستمرار، داعيًا إلى تقييم شامل لتجربة التطبيق بمشاركة القطاع الخاص والجهات المعنية، وتطوير الإجراءات والحلول الإلكترونية بما يعزز كفاءة التنفيذ والثقة بمنظومة العدالة وبيئة الأعمال.
البدائل المقترحة
وقالت الرئيسة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الأردني، نسرين بركات، إن المنتدى أعد ورقة حول البدائل المقترحة لمعالجة قضايا الالتزامات والتحصيل، بالتعاون مع مختلف الشركاء، تضمنت مجموعة من المقترحات الواضحة والمحددة.
وأوضحت بركات أن من أبرز المقترحات التمييز بين المدين المتعثر والمدين المماطل، ووضع أدوات واضحة لتقييم بعض التصرفات المالية، بما يساعد على التعامل مع كل حالة وفق طبيعتها، بدلًا من اتباع نهج موحد في جميع الحالات.وقالت إن التحول الرقمي يوفر إمكانية تطوير منظومة تنفيذ أكثر سرعة وفاعلية، لافتة إلى أن نسبة من المشاركين في استطلاع الرأي الذي أجراه المنتدى أيدوا هذا البديل باعتباره أداة فاعلة.
وأكدت بركات ضرورة تطوير أدوات مخصصة للأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها من الفئات الأكثر تأثرًا بقضايا التمويل والتحصيل، مشيرة إلى أهمية إتاحة خيارات لإعادة هيكلة أوضاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة بدلًا من انتقالها مباشرة إلى مسار التنفيذ.وأشارت إلى أهمية تفعيل نظام الضمانات على الأموال المنقولة لدى وزارة الصناعة والتجارة، وزيادة الوعي باستخدام هذه الأداة، باعتبارها إحدى الضمانات المتاحة التي يمكن أن تسهم في تعزيز الائتمان وتقليل المخاطر المرتبطة به.
الرؤية القانونية
بدوره، قال نقيب المحامين الأردنيين، يحيى أبو عبود، إن أثر قانون التنفيذ يمتد إلى ما هو أبعد من فترة تطبيقه، باعتبار أن القاعدة القانونية لا تكتسب فاعليتها من وجودها فقط، وإنما من الجزاء المترتب على مخالفتها، موضحًا أن “القاعدة القانونية بلا إلزام تصبح قاعدة أخلاقية”.
واعتبر أبو عبود أن تطبيق التعديلات على قانون التنفيذ أثار إشكالية تتعلق بأثر القانون على الحقوق المكتسبة، موضحًا أن الأصل في القواعد الإجرائية هو سريانها بأثر فوري، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يمس بالحقوق التي نشأت في ظل التشريعات السابقة. وقال إن هناك تعاقدات وعمليات ائتمانية تمت قبل دخول التعديلات حيز التنفيذ، وكانت قائمة على ضمانات محددة، مشيرًا إلى أن الحبس في بعض الالتزامات كان يشكل إحدى أدوات الردع التي اعتمدت عليها التعاملات التجارية إلى جانب الضمانات العقارية وغيرها.
وأكد أن المشكلة لا تتمثل في غياب البدائل من حيث المبدأ، وإنما في عدم اكتمال البدائل العملية حتى الآن، مشيرًا إلى أن بعض الإجراءات المستقبلية قد تكون أكثر كفاءة من الحبس في ضمان حقوق الدائنين واسترداد أموالهم.
وقال إن تعديلات قانون التنفيذ شهدت إضافة عدد من المقترحات، وهي موجودة حاليًا لدى الحكومة، معربًا عن أمله في أن يتم طرحها خلال الدورة العادية المقبلة لمجلس الأمة. وبيّن أن المقترحات تتضمن اختصار عدد من الإجراءات المرتبطة بالقضايا التنفيذية، وتعزيز متطلبات الإفصاح المالي من جانب المحكوم عليه، إلى جانب إتاحة الحجز في حالات محددة دون اشتراط إثبات نية تهريب الأموال أو التصرف بها للإضرار بحقوق الدائن.وأضاف أن المقترحات تتناول كذلك تقليص مدة استرداد المبيع بعد بيعه بالمزاد العلني، وتنظيم التعامل مع بيع المركبات بالمزاد، فضلًا عن معالجة الأموال القابلة للتلف.
الحاجة إلى إعادة نظر
من جانبه، أوضح رئيس غرفتي صناعة عمان والأردن السابق، فتحي الجغبير، أن الاعتقاد بأن رفع الحماية الجزائية عن الشيكات وإلغاء الحبس في الالتزامات التعاقدية جاءا بدافع اجتماعي أو إنساني لمحدودي الدخل أو أصحاب المشاريع الصغيرة، يحتاج إلى إعادة نظر.
وأضاف الجغبير أن المشاريع الصغيرة كانت من أبرز المتأثرين بتراجع بعض أدوات الحماية الائتمانية، باعتبار أن الحبس في السابق كان يشكل، من وجهة نظره، نوعًا من الائتمان منخفض الكلفة الذي أتاح لهذه المشاريع الحصول على البضائع والتمويل التجاري دون الحاجة إلى تقديم ضمانات مصرفية أو عقارية كبيرة.
وأشار الجغبير إلى أن أكثر من 90 بالمئة من الشركات القائمة في الأردن هي من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بحسب البيانات التي استند إليها، محذرًا من أن إضعاف أدوات الائتمان المتاحة لهذه المنشآت قد يؤدي إلى زيادة قدرة الشركات الأكبر على الاستحواذ على حصة أكبر من السوق. وأضاف أن المطلوب هو توفير أدوات ائتمانية مناسبة تساعد المشاريع الصغيرة على الوقوف على قدميها والاستمرار في نشاطها، بدلًا من أن يؤدي ارتفاع مخاطر الائتمان والتحصيل إلى خروجها من السوق.
معطيات جديدة للسياسات الائتمانية
بدوره، قال مدير عام جمعية البنوك في الأردن، الدكتور ماهر المحروق، إن القطاع المصرفي كان شريكًا في النقاشات التي سبقت إقرار قانون التنفيذ، إلى جانب غرفتي الصناعة والتجارة وجمعية رجال الأعمال، مؤكدًا أن الهدف كان الوصول إلى منظومة متوازنة تراعي مصالح مختلف الأطراف.
وأوضح المحروق أن القول بأن التعديلات التي تضمنها قانون التنفيذ، بما في ذلك رفع الحماية الجزائية عن الشيكات وإلغاء حبس المدين، أدت إلى تراجع التسهيلات الائتمانية، “قراءة غير دقيقة”، مشيرًا إلى أن التسهيلات الائتمانية ارتفعت خلال الربع الثاني من العام الماضي.وأضاف أن التغيرات في البيئة القانونية دفعت البنوك إلى بذل جهود أكبر في إدارة المخاطر، وفي التمييز بين العملاء وتقييم قدرتهم على السداد، باعتبار أن البيئة القانونية تشكل جزءًا من بيئة الأعمال التي تتعامل معها البنوك وتنعكس على سياساتها الائتمانية.
وأكد المحروق أن هذه التعديلات لا تعني بأي حال من الأحوال أن البنوك أصبحت أقل استعدادًا لتمويل الأعمال، وإنما فرضت معطيات جديدة على سياساتها الائتمانية وإجراءاتها، بما يتطلب تطوير أدوات تقييم العملاء وإدارة المخاطر.وشدد على أن حبس المدين كان في السابق جزءًا من منظومة الضمانات التي يأخذها القطاع المصرفي في الاعتبار، إلا أن البنوك في النهاية تبحث عن العميل القادر على الوفاء بالتزاماته وسداد مستحقاته في المواعيد المتفق عليها.
ويرى المحروق أن التعامل مع أثر تعديلات قانون التنفيذ يجب أن يكون بصورة شاملة، إذ إن وجود حالات متعمدة للتهرب من السداد قد ينعكس على مجموعة أوسع من الأشخاص والمنشآت، ويؤدي في بعض الحالات إلى تعثر أعمال وتجار ورجال أعمال وخروجهم من السوق، رغم أن هؤلاء قد يكونون عملاء أو موردين لجهات أخرى، ما يجعل التأثير يمتد عبر سلسلة مترابطة من العلاقات التجارية.
مرونة تشريعية
من جانبه، أوضح رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب، النائب عارف السعايدة، أن القوانين تمر عادة بمراحل تشريعية تبدأ من الحكومة، ثم تحال إلى مجلس النواب واللجان النيابية المختصة لدراستها وإجراء التعديلات اللازمة عليها، قبل أن تستكمل مراحلها الدستورية. وأضاف السعايدة أن تحديد الآثار الإيجابية أو السلبية لأي قانون لا يمكن أن يتم بصورة نهائية إلا من خلال تطبيقه على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن قانون التنفيذ جاء ليحقق مصلحة مختلف الأطراف، سواء المدين أو الدائن.
وأوضح أن بقاء المدين خارج السجن قد يتيح له فرصة استعادة نشاطه الاقتصادي وتصحيح أوضاعه المالية، خصوصًا إذا كان صاحب عمل أو متزوجًا ويعيل أسرة، بما يمكنه من استعادة توازنه ومواصلة العمل وسداد التزاماته، في حين أن وجوده في السجن لا يحقق بالضرورة مصلحة الدائن، ولا يمكّنه من الوفاء بما عليه من أموال.وأكد السعايدة أن القول بعدم وجود سلبيات لأي قانون أمر غير واقعي، مبينًا أن أي تشريع قد تظهر أثناء تطبيقه بعض الملاحظات أو الآثار التي تستدعي المعالجة، ويمكن التعامل معها من خلال تعديلات تشريعية لاحقة، بما ينسجم مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والظروف التي تمر بها الدولة.
وقال السعايدة إن المجتمع الأردني ليس مع حبس المدين كقاعدة عامة، كما أنه لا يؤيد حبس المواطنين أو التجار المتعثرين، وإنما تتمثل المطالبة في إيجاد استثناءات محددة تتعلق بالمتعثر القادر على السداد، بما يحفظ حقوق الدائنين ويمنع إساءة استخدام التسهيلات أو الالتزامات المالية.
إلى ذلك، أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني، موسى اشتيوي، أهمية الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، من خلال تطوير أدوات استباقية تساعد على معالجة حالات التعثر قبل تفاقمها، مشيرًا إلى أهمية إنشاء منصة للإنذار المبكر والتسوية، بما يسهم في تجنب الوصول إلى مراحل التعثر وصعوبة استرداد الحقوق
وأشار اشتيوي إلى أهمية أن تتم إجراءات التنفيذ بصورة متدرجة وعلى مراحل، بما يتيح معالجة الالتزامات وفق طبيعة كل حالة، مؤكدًا ضرورة إيجاد آليات لإعادة الجدولة تساعد المنشآت والأفراد، خصوصًا صغار المقترضين، على سداد ديونهم من خلال توفير تمويل بكلف بسيطة وميسرة، بما يعزز قدرتهم على الاستمرار في النشاط الاقتصادي والوفاء بالتزاماتهم.